أحمد بن محمد ابن عربشاه
101
فاكهة الخلفاء ومفاكهة الظرفاء
أصناف الغموم ، واحتوشته المخاوف والوجوم ، فلجأ إلى جناب الحي القيوم ، جناب لا يخيب قاصده ، ولا يصدر إلا بنيل الأمل وارده ، وصار يحسس بيديه ، ويصغى إلى الحيوان بأذنيه ، ويتمشى إلى كل جانب ويهوى بيديه إلى الأطراف والجوانب ، ويتعلق بحبال الهواء كالغريق الغاطس في الماء . فوقعت يده على شجرة فعلق فيها يديه وظفره ، وصعد عليها وأوى إليها ، وتوجه بقلبه إلى خالقه وموجده ورازقه ، وقطع عما سواه أسباب علائقه ، واشتغل بالذكر والتسبيح ، وفوض أمره إلى الله سبحانه وتعالى بأمل فسيح ، واستمر في هذا الويل برهة من الليل ، وكان طائفة من الجان المهرة ، كل ليلة تأوى إلى هذه الشجرة فيتذاكرون ما جرى في العالم ، وما صدر في عالم الكون والفساد من أعمال بني آدم ، ويقيمون أفراحهم ويتعاطون انشراحهم . فلما اجتمعوا تلك الليلة ، ذكر كل قوله وما جرى من الحوادث ، ومن المفرحات والكربات ، وما وقع من العجائب واتفق من واقعات الغرائب . فقال واحد من القوم : ومن أعجب ما وقع اليوم من الأمر الكريه ، ما فعله ملك بابل بابن أخيه ، وذكر لهم القضية وما تضمنته من بلية ، وجعل يتأرق ويتحرق ويتبرم ويتضرم ويحرق الأرّم « 1 » ، ويتعجب من عدم وفاء بني آدم . فقال رئيس الجان : وهذا غير بديع من طبع الإنسان فإنه مجبول على الغدر ، مطبوع على الدهاء والمكر ، ألم تسمع قول قائلهم في وصف فضائلهم ، وقبيح شمائلهم ممن انخرط في سلك الفضل بدون منع ولا حجز : إذا كان الغدر طباعا ، فالثقة بكل أحد عجز . ثم قال الرئيس : اعلم يا نفيس إني أعلم ما يزيل هذا الألم ويطفئ هذا الضرم ، ويشفى هذا السقم ، وهو أن هذه الشجرة النجيبة لها خاصية عجيبة ،
--> ( 1 ) الأرم : الأسنان والأضراس . ويحرقها : أي يحكها ببعضها من شدة الغضب .